جَلستْ على مقرُبة مني
و عينيها بالحزن تَكْتتحل
تناولت بعض أوراقي و ابتسمت
!قالت ما أروع قلمك
عِرْني إياه كي أكتب عن ألمي
قلت لها : سيدتي قلمي جموح لن يطاوعك
قالت : اُكتب عني
قلتُ : شؤون حواء أعرفها
و سأكتب عنك بصيغة أنا كي أغالط قلمي
عبير الذكرى
في حَديقةِ قَلبي زَرعْتُ وَرْدَةَ حُبِّهِ
رَعَيْتُ لِقَاحِها بِسُهادِي و انْتِظارِي
وَصَلْتُ شِرْيانَ قَلْبِي بِجُذُورِهَا
سَقَيْتُهَا حَنَانًا و مِنْهَا كُنْتُ أَرْتَوِي
كُلَّمَا انْبَثَقَ فَنَنٌ زِدته رِعايَةً
تَجَانَسَتْ دِمَائِي بِيَخْضُورِها
تَفَتَّحَتْ وَرْدَةٌ بَهِيَّةٌ بِأَعْلَى سَاقِهَا
بِلَوْنِ مُهْجَتِي ، مِنْهَا اسْتَمَدَّ قَلْبِي رَيَّهُ
كُلَّماَ أيْنَعَتْ حُمْرَةً ازْدَدْتُ بَهْجَةً
صِرْتُ كَأَمِيرَةٍ تَرَبَّعَتْ عَلَى عَرْشِهَا
لَمْ تَنْتَظِرْ حُلُولَ أَوَانِ تَنْصِيبِهَا
فَاحَ صَيْتُها حَتَى شَمَّهُ قَصِيُّ حُسَادِهَا
ظَنَنْتُ انْصِهَارَنَا أَقْوَى مِنْ نَارِ عُيُونِهِمْ
لَمَا حَانَ الرَّبِيعُ و اسْتَوَتْ وَرْدَتي
و لَمْ يَبْقَ سِوى حَفْلَ الاعْتِلاء
حَلَّ المَصيفُ بِقَيْظِهِ وَ رِيحِهِ العقيم
كلما هبت ريح تساقط بعضها
شَمَمْتُ عِطْرَهُ بِحُرْقَةٍ وَ بَكَيْتُهُ
تَوالى سُقُوطُ جُزَيْئاتِها و صِرْتُ أَذْبُل
و وَرِيدِي أَتْعَبَ خافِقِي بِتَجَلُِّطِ دِمَائِه
و انْتَكَسْتُ كبقايا وردتي و ساقها
لَمْ أكُ مِنْ قَبْلُ أَنْحَنِي رَغْمَ المِحَن
كُلمَا خَرَّتْ قِوَاي قَوَّمْتُ هَامَتِي
وَ بِدَوَاخِلي تُذِيبُنِي صُهَارَةُ الأَلَم
أُرَمِّمُ شُحُوبَ وَجْنَتَايَ بِلَوْنِ البَقَايَا
وَ أَشْدُو لأُوهِمَ سَامِعِي بِفَرْحَتِي
كُلمَا جَنَّ اللَّيْلُ قَصَدْتُ مِحْرابَ عُزْلَتِي
لأُقِيمَ قُدَّاساً عَلَى بَقَايَا تُرَابِ وَرْدَتِي
أَشَمُّ أَرِيجَهَا رَغْمَ اخْتِفَائِهَا مُذْ أَمَد
و أهديْتُها باقَةَ حبري الشاحبة هذه
سكتت هنيهة ثم ابتسمت
و على شرفة عينيها لألأةٌ...
قالت : شكرا
قُلتُ : بل الشكر لَكِ أن أنْعَشْتِ قَلَمِي
بقلم : عبدالحق الغربي


